عثمان بن جني ( ابن جني )

108

الخصائص

سكون ما بعده ، فيفجأ بسكونه المتحرّك الذي قبله ، فينقض عليه جهته وسمته . فتلك إذا ثلاث أحوال متعادية لثلاثة أحرف متتالية ؛ فكما يحسن تألّف الحروف المتفاوتة كذلك يحسن تتابع الأحوال المتغايرة على اعتدال وقرب ، لا على إيغال في البعد . لذلك كان مثال فعل أعدل الأبنية ؛ حتى كثر وشاع وانتشر . وذلك أن فتحة الفاء ، وسكون العين ، وإسكان اللام ، أحوال مع اختلافها متقاربة ؛ ألا ترى إلى مضارعة الفتحة للسكون في أشياء . منها أن كل واحد منهما يهرب إليه مما هو أثقل منه ؛ نحو قولك في جمع فعلة وفعلة : فعلات ، بضم العين نحو غرفات ، وفعلات بكسرها نحو كسرات ، ثم يستثقل توالى الضمتين والكسرتين ، فيهرب عنهما تارة إلى الفتح ، فتقول : غرفات ، وكسرات ، وأخرى إلى السكون فتقول : غرفات ، وكسرات . أفلا تراهم كيف سوّوا بين الفتحة والسكون في العدول عن الضمة ، والكسرة إليهما . ومنها أنهم يقولون في تكسير ما كان من فعل ساكن العين وهي واو على فعال ، بقلب الواو ياء ؛ نحو : حوض ، وحياض ، وثوب ، وثياب . فإذا كانت واو واحده متحرّكة صحّت في هذا المثال من التكسير ؛ نحو : طويل ، وطوال . فإذا كانت العين من الواحد مفتوحة اعتلت " 1 " في هذا المثال ؛ كاعتلال الساكن ؛ نحو : جواد ، وجياد . فجرت واو جواد مجرى واو ثوب . فقد ترى إلى مضارعة الساكن للمفتوح . وإذا كان الساكن من حيث أرينا كالمفتوح كان بالمسكّن أشبه . فلذلك كان مثال فعل أخفّ ، وأكثر من غيره ؛ لأنه إذا كان مع تقارب أحواله مختلفها ، كان أمثل من التقارب بغير خلاف ، أو الاتفاق البتة والاشتباه . ومما يدلك على أن الساكن إذا أدرج ليست له حال الموقوف عليه أنك قد تجمع في الوقف بين الساكنين ؛ نحو : بكر ، وعمرو ؛ فلو كانت حال سكون كاف بكر كحال سكون رائه ، لما جاز أن تجمع بينهما ؛ من حيث كان الوقف للسكون على الكاف كحاله لو لم يكن بعده شيء . فكان يلزمك حينئذ أن تبتدئ بالراء ساكنة ، والابتداء بالساكن ليس في هذه اللغة العربية . لا بل دل ذلك على أن كاف بكر لم تتمكن في السكون تمكّن ما يوقف عليه ، ولا يتطاول إلى ما

--> ( 1 ) لا يريد أبو الفتح أن هذا الاعتلال مذهبه القياس والاطراد ، إذ كان لا يجرى إلا على شذوذ ؛ فجياد من الشاذ الذي يوقف عنده ، وإنما هم ابن جنى تعليل هذا الشاذ وذكر مأتاه في العربية . ويرى بعض النحويين أن ( جيادا ) جمع ( جيد ) ليخرج من الشذوذ . ( نجار ) .